الشيخ الطبرسي

546

تفسير جوامع الجامع

جاءَ بهِ مُصَدَّراً بالقَسَمِ ( لِمَنْ كَانَ يَرْجُوْا اللهَ ) بَدَلٌ من قَولِهِ : ( لَكُم ) وذلك نُوعٌ من التأْكيدِ ، وكذلك قَولُهُ : ( وَمَنْ يَتَولَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) أي : ومَن أَعْرَضَ عن الايتَاءِ بإبراهيمَ فإنَّ اللهَ هو الغنيُّ عن جميعِ خَلْقِهِ لا يَضُرُّهُ ذلك ، وإنَّما ضَرُّوا أَنْفُسَهم . ولمَّا نَزَلَتْ هذه الآياتُ تَشَدَّدَ المؤْمنونَ في عَدَاوَةِ آبائِهِم وأَقربائِهِم من المشركينَ ، فَلَمَّا رأَى اللهُ سبحانَهُ منْهُم الجِدَّ والصَّبْرَ علَى الوَجْهِ الشَّديدِ ، رَحِمَهُم وَوَعَدَهُم تَيسيرَ ما تَمَنَّوْهُ من إسلامِ أَقَاربِهِم ، وحُصُولِ التَّصَافي والتَوادِّ بينَهُم . و ( عَسَى ) وَعْدٌ من اللهِ على عاداتِ المُلُوكِ ، حيثُ يقُولُونَ في بعضِ الحَوائجِ : " عسى " أو " لعلَّ " ، فَلاَ يبقى شُبْهَةٌ للمحتَاجِ في تَمامِ ذلك ، أو : قَصَدَ بهِ إِطْمَاعَ المؤْمنينَ ، ( وَاللهُ قَدِيرٌ ) على تَقْليبِ القُلُوبِ وتَسْهيلِ الأُمُورِ . ( أَنْ تَبَرُّوهُمْ ) بَدَلٌ من ( الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ ) ، وكَذلك ( أَنْ تَوَلَّوْهُم ) بَدَلٌ مِن ( الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ ) والمعنى : ( لاَ يَنْهَكُم ) عن مَبَرَّةِ هؤلاءِ وإنَّما يَنْهاكُم عن تَوَلِّي هؤلاءِ . وهذا أيضاً رَحْمَةٌ لَهُم لِتَشَدُّدِهِم وَجدِّهِم في العَدَاوَةِ ، حيثُ رَخَّصَ لهم في صِلَةِ مَنْ يُجَاهِدْ ( 1 ) منهم بالقتَالِ والإِخْراجِ من الدِّيارِ ، وَهُم خُزَاعَة ، وكانُوا صَالَحُوا رَسُولَ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على أَن لا يُقَاتِلُوهُ ولا يُعينُوا عليهِ ، وعنْ مُجَاهِد : هم الذينِ آمنُوا بمكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا ( 2 ) . ( وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ ) أي : وَتَعْدلُوا فيما بينكُم وبينَهُم ، وتَقْضُوا إليهم بالقِسْطِ ولا تَظْلمُوهُم ، أَوْصى سبحانَهُ باستِعْمالِ القِسْطِ مع المشركينَ والتَّحامي عن ظُلْمِهِم ، فما ظَنُّكَ بحالِ من اجْتَرَأَ على ظُلْمِ أَخيهِ المُسلم ؟ ! ( إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ ) سَمَّاهُنَّ مؤْمنات لِتَصْديقِهنَّ بأَلْسِنَتِهنَّ ونُطْقِهنَّ بكلمةِ الشَّهادةِ ( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) فاختَبِرُوهُنَّ بالحِلْفِ والنَّظَرِ في الأَماراتِ لِيَغْلِبَ على

--> ( 1 ) في نسخة : " يجاهر " . ( 2 ) تفسير مجاهد : ص 655 .